ابن قيم الجوزية
91
الوابل الصيب من الكلم الطيب
الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم » فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله والتوسل إلى ربه عز وجل بفضله وجوده وأنه المنفرد بغفران الذنوب ، ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معاً . فهكذا أدب الدعاء وآداب العبودية . الفصل الثالث في قراءة القرآن أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الدعاء . هذا من حيث النظر لكل منهما مجرداً ، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل ، بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل ، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما ، بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة ، وكذلك التسميع والتحميد في محلهما أفضل من القراءة ، وكذلك التشهد ، وكذلك « رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني » بين السجدتين أفضل من القراءة ، وكذلك الذكر عقيب السلام من الصلاة - ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد - أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة ، وكذلك إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة . وإن كان فضل القرآن على كل كلام كفضل الله تعالى على خلقه ، لكن لكل مقام مقال ، متى فات مقاله فيه وعدل عنه إلى غيره اختلت الحكمة وفقدت المصلحة المطلوبة منه . وهكذا الأذكار المفيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة ، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة ، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن . مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة من استغفار أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحفظه . وكذلك أيضاً قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما ، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله تعالى وأحدث له